ومضات من وحي عاشوراء – الشيخ حبيب الكاظمي
- ما يجري اليوم من تنامي ذكر الحسين في الشرق والغرب، وازدياد الداخلين في طريق أهل البيت عليهم السلام، سببه هذا الدم الذي صار روحاً للمذهب؛ حتى الدراسات الدينية تشير إلى أن الإسلام في أصلِه أكثر الأديان انتشاراً، وأن خطّ أهل البيت هو الأسرع تمدّداً، وسرّه الحسين عليه السلام.
- لا أتعامل مع مدرسة أهل البيت كأنها “مذهب” من بين المذاهب، بل كزاوية صافية ترى جوهر الإسلام كما أنزله الله: نأخذ طريقنا من النبي، ثم من وصيّه، ثم من الأئمة الاثني عشر؛ هي “النظرة الصحيحة لجوهرة الإسلام”، لا مجرد فرع ضمن فروع متساوية.
- لبس السواد، وإحياء العزاء، وتعظيم الشعائر، ليست شكلاً فارغاً؛ هي شبيهة بعلامات الهدي في مِنَى، لكن الخطر أن تمرّ محرّم وصفر دون أن أجد في داخلي أي تغيير؛ إن لم تُغَيِّرني سفينة الحسين وأنا في هذا المدّ الحسيني القريب، فمتى أنتظر التغيير؟
- الكسل قرين الفشل؛ وأعظم سلطان يحبسني في مكاني هو سلطان النوم. من أراد أن يبني عزيمته فعلاً يبدأ من خمس دقائق قبل الفجر: ركعتي الشفع والوتر أو دقائق من التأمل مع الله؛ قيام الليل ليس فقط صلاة، بل هو كسرٌ عمليّ لهيمنة الفراش، ومفتاح لكل ولاية روحية.
- ليس ضرورياً أن أملك شيخ تربية حيّاً في كل بلد؛ من كان جوار البقيع أو الحرم يمكنه أن يجعل رسول الله وأهل البقيع أساتذته المباشرين: يجلس في الروضة أو عند الضريح، مؤدَّباً، يقول: “يا رسول الله، علِّمني، انظر إلى قلبي”، ويتابع هذا الأسلوب حتى يشعر أن قدميه لا تكادان تطاوعانه على مفارقة المقام من شدّة الحضور.
- التربية تبدأ من باب النبي صلى الله عليه وآله، لكن غايتها معية الله: من داوم على الجلوس عند رسول الله، ثم على حضور القلب، قد يصل إلى أن يرى ربه معه في كل حال: “أراه معي”، فينتقل من صحبة الرسول الظاهرية إلى شهودٍ قلبيّ لمعنى “إن الله معنا”، فيخفّ عنده ثِقل كل مشكلة دنيوية.
- المقصود ليس أن أقول: “ذهبت إلى الحرم”، بل أن أصير ممن يأتي الإمامُ إليهم؛ لا يكفي الوقوف عند البناء والقبة، بل أغمض عينيّ وأتوجّه إلى روحه، حتى لو كنت بعيداً؛ حين يسكن الإمام في قلبي تتحوّل كلّ أرض إلى كربلاء، وكلّ زمن إلى عاشوراء.
- السيادة النَّسبية شرف، لكنها لا تعصم من المعصية؛ أمّا المحرمية الباطنية –أن أشعر أن الحسين عليه السلام أبٌ حقيقي، وأضع خدّي على ضريحه كطفل يلجأ لصدر أبيه، وأرى في عليّ وأهل البيت ملاذاً لا أغادره– فهي درجة إذا تحققت صار صاحبها يستحي أن يعصي في حضرة مَن صار بينهم وبينه هذا القرب.
- احتراق الخيام، وركض الأطفال في البيداء، وزينب تقف على باب الخيمة تقول: “إن لي عليلاً في الخيمة”، ثم حيرتها في سؤال الإمام: إلى أين نذهب بعد أن احترقت المضارب؟ وحيرة زين العابدين في اليوم الثالث وهو يجمع بدناً قد تراكمت عليه الجراح والحجارة؛ هذه المشاهد ذروة الانكسار الذي أتوسّل به إلى الله في دعائي بعد المجالس.

