الجهل بالغنى والفقر الحقيقيين – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله
من أخطر موانع الخشوع في الصلاة أن يجهل الإنسان معنى الفقر والغنى الحقيقيين. فنحن غالبًا نقيس أنفسنا والآخرين بالمال: من يملك فهو قوي، ومن لا يملك فهو ضعيف؛ من وسّعت عليه الدنيا فهو ناجح، ومن ضاقت عليه فهو ناقص أو فاشل. لكن هذه النظرة، إذا استقرت في القلب، خرّبت الصلاة قبل أن تبدأ؛ لأنها تجعل الإنسان يدخل إلى محرابه مثقلًا بإحساس الدونية أو الغرور، لا بإحساس العبودية لله.
الفقير ماديًا قد تطول به الهموم حتى تضعف نفسه، ويسوء خلقه، ويفقد توازنه، وربما يبلغ حدّ اليأس من العمل أو الحياة. لا لأن الفقر نفسه يساوي الضياع، بل لأنه لم يعرف بعدُ أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بما في يده، بل بما في عقله وقلبه وتقواه.
ومن كان جوّه النفسي مدمرًا بهذا الفهم، كيف يستطيع أن يقف بين يدي الله خاشعًا؟ كيف يأنس بالله وهو يرى نفسه «لا شيء» لأنه لا يملك المال؟ لذلك كان تصحيح معنى الغنى والفقر خطوة أساسية في طريق الصلاة.
الغنى الحقيقي غنى العقل والنفس
الغنى الحقيقي ليس كثرة المال، بل غنى العقل، وقد يعبّر عنه بغنى النفس. أما الفقر المهلك فهو فقر العقل، لا قلة الدراهم وحدها.
قد يكون الإنسان فقيرًا في المال، لكنه غنيّ بالعقل، متوازنًا، قنوعًا، عاملًا، كريم النفس، يعرف قيمة نفسه عند الله. وقد يكون غنيًا في المال، لكنه فقير العقل، أسير شهوته، عبدًا لممتلكاته، يرى الناس على قدر أرصدتهم لا على قدر تقواهم.
ولهذا، فالمال إذا لم يقترن بغنى العقل لا يضيف إلى صاحبه قيمة حقيقية؛ بل قد يصبح مثل صندوقٍ يحمله كائن لا يفقه ما يحمل. المال يحتاج إلى عقلٍ يديره، وتقوى تضبطه، وقلبٍ لا يطغى به.
كيف يتعامل المؤمن مع المال؟
لا تدعو هذه الرؤية إلى التعايش مع الفقر المادي أو تمجيد العجز. الإسلام لا يريد للإنسان أن يترك العمل أو يرضى بالذل بحجة القناعة؛ بل يريد منه أن يعمل بجد حتى لا يبتلى بالفقر، فإن عجز عن العمل صار المجتمع مسؤولًا عنه.
الوضع الطبيعي للمؤمن أن يسعى في الرزق، فإذا رزقه الله مالًا: اقتصد في الصرف على نفسه، وسّع على عياله بما يناسبهم، أنفق من ماله على المحتاجين، قدّم لآخرته مما في يده، فيكون في الحقيقة قد أنفق على نفسه.
وإن عمل ولم يصل إلا إلى الكفاف، فالقناعة خيرٌ له؛ يدير أموره بعقل، ويرضى بما قسم الله، ويحافظ على روح القناعة حتى لو اتسع رزقه لاحقًا.
أما إن عمل ولم يقدر على الوصول إلى الكفاف، أو عجز عن العمل، فلا يجوز له أن يقيم نفسه على أساس ما لا يملك. فكرامة الإنسان لا تسقط لأن جيبه فارغ، كما أن قيمته لا ترتفع بمجرد امتلائه.
الغنى المادي بين النعمة والعقوبة
القرآن الكريم يحذر من الغنى الذي يطغي صاحبه: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾.
ليس كل غني مذمومًا، لكن الغنى الذي يخرج الإنسان عن التوازن مذموم وخطر. وقد يكون المال امتحانًا أو عقوبة، لا كرامة. فالقرآن يقول عن قومٍ ظنوا أن ما مُدّوا به من مالٍ وبنين علامة خير:
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾.
وقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وآله من أن يظهر المال في الأمة حتى تطغى وتبطر؛ فالمشكلة ليست في المال نفسه، بل في القلب الذي لا يعرف كيف يشكر النعمة ويؤدي حقها.
وفي تتمة الحديث: المخرج من فتنة المال هو شكر النعمة وأداء حق المال، من لم يشكر، ولم يؤدِّ الحق، صار المال في يده سببًا لسكره وغفلته.
سكرة الغنى وجزع الفقر
للغنى سكرة كما للخمر سكرة؛ فقد يعيش الإنسان داخل ماله ومشاريعه وملذاته حتى لا يسمع نداء ربه ولا حاجة الناس من حوله. ولذلك ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «استعيذوا بالله من سكرة الغنى، فإن له سكرة بعيدة الإفاقة».
وفي المقابل، للفقر امتحانٌ آخر: الجزع، والقنوط، والضعف. لذلك جاء عن الإمام الصادق عليه السلام: «لا تكن بطرًا في الغنى، ولا جزعًا في الفقر».
ميزان المؤمن أن لا يطغى إن استغنى، ولا ينهار إن افتقر. لا يبطره المال، ولا تكسره الحاجة. فهو يعلم أن ما عند الله خيرٌ وأبقى، وأن المال ليس معيار الكرامة ولا الفقر دليل الهوان.
كيف يصطاد الشيطان الغني؟
تذكر الروايات أن للشيطان مداخل خاصة على أهل المال. فقد ورد أن الشيطان قال: «لن ينجو مني الغني من إحدى ثلاث ».
هذه الثلاث هي:
الأولى: أن يزيّن المال في عينه، فيمنعه من حقه.
فيبخل بالخمس أو الزكاة أو النفقة الواجبة، أو يقصّر في عياله، أو يمتنع عن سداد ديونه، لأن المال صار محبوبًا فوق الواجب.
الثانية: أن يسهل له سبيل إنفاقه في غير حق.
فيبدّد المال في الشهوات والمظاهر والمفاخرة، ويستثقل إنفاقه في وجوه الخير.
الثالثة: أن يحبّب إليه المال حتى يكتسبه من غير حق.
فيقبل بالربا، أو الغش، أو الحرام، أو التجارة التي تفسد الناس، لأن حب المال صار أقوى من خوف الله.
وهنا تظهر الحاجة إلى غنى العقل: فالمال بلا عقلٍ وتقوى يتحول إلى شبكة يصطاد بها الشيطان صاحبه.
الغنى الحقيقي في قصة الثوبين
من أجمل ما يوضح المعنى الحقيقي للغنى قصة الرجل الموسر الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بثوبٍ نقي، فجلس إلى جانبه رجل معسر بثوبٍ درن. فجمع الموسر ثوبه من تحت فخذه، كأنه يخشى أن يمسّه الفقير.
سأله النبي صلى الله عليه وآله:
أخفت أن يمسّك من فقره شيء؟ قال: لا.
أخفت أن يصيبه من غناك شيء؟ قال: لا.
أخفت أن يوسّخ ثيابك؟ قال: لا.
فما حملك على ما صنعت؟
اعترف الرجل بأن له قرينًا يزين له القبيح ويقبح له الحسن، ثم عرض نصف ماله على الفقير. لكن الفقير رفض، فلما سُئل: لماذا؟ قال: «أخاف أن يدخلني ما دخلك».
هنا يتجلّى الغنى الحقيقي: الفقير في ماله كان غنيًا بعقله ونفسه، لأنه خاف على قلبه من فتنةٍ رأى أثرها في الغني. والغني، مع ماله، كان محتاجًا إلى تربيةٍ روحية حتى لا يفسد المال قلبه.
أثر هذا الفهم في الصلاة
إذا عرف الإنسان أن الغنى الحقيقي غنى العقل والتقوى، وأن الفقر الحقيقي فقر القلب عن الله، تغيّرت صلاته.
الفقير لا يدخل الصلاة منكسرًا لأنه لا يملك مالًا، بل يدخلها عزيزًا بعبوديته. والغني لا يدخلها منتفخًا بما يملك، بل يدخلها فقيرًا إلى الله. كلاهما يقف على أرضٍ واحدة: «أنا العبد المحتاج، وأنت الرب الغني».
عندها يصبح الخشوع ممكنًا؛ لأن القلب لم يعد مشغولًا بمقارنة الناس، ولا بتقييم الذات على أساس المال، بل صار مشغولًا بمن يملك كل شيء، ويهب كل شيء، ويأخذ كل شيء.
خاتمة
الفقر والغنى امتحانان، لا حكمان نهائيان على قيمة الإنسان. الغني قد يكون فقيرًا إن فقد العقل والتقوى، والفقير قد يكون غنيًا إن امتلك القناعة والبصيرة والكرامة.
المطلوب أن نسعى في الرزق، ونحارب الفقر، ونقيم أنظمة عادلة تعين المحتاج، لكن من دون أن نجعل المال معيار الإنسان. فمن جعل المال ميزانه خسر خشوعه، ومن جعل التقوى ميزانه عرف طريق الصلاة.

