قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: الحوراء الإنسية
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

منهج دراسة صبر الزهراء ع (2) – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

الحديث عن صبر السيدة الزهراء عليها السلام ليس حديثًا عاطفيًا فقط، ولا تفصيلًا تاريخيًا يُذكر في موسمٍ دون آخر؛ بل هو بابٌ لفهم الدين نفسه. فقد تقدّم أن الصبر ليس خُلُقًا جانبيًا، بل هو من حقيقة الإيمان، ومن أراد أن يعرف عظمة المعصومين فعليه أن يتأمل في صبرهم؛ لأن الصبر هو الموضع الذي تنكشف فيه حقيقة العبودية والثبات.

ومن هنا يكون الحديث عن مظلومية الزهراء عليها السلام جزءًا من منهجٍ عقائدي وتربوي: كيف نقرأ النصوص؟ كيف نفهم تحذيرات النبي صلى الله عليه وآله؟ وكيف نحفظ الذاكرة الإيمانية من التمييع أو التسييس أو الخجل من الحق؟

 

«من آذاها فقد آذاني»: نصٌّ يرسم ميزان الموقف

من أشهر النصوص في مقام الزهراء عليها السلام قول النبي صلى الله عليه وآله: «فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني».

وقد ورد هذا المعنى في مصادر الشيعة والسنة، ومنه ما جاء في صحيح البخاري بلفظ: «فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها فقد أغضبني».

هذا النص ليس جملة عاطفية صدرت من أبٍ يحب ابنته فقط؛ فالنبي صلى الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى، ولا يتكلم كلامًا بلا حاجة. عندما يقول: «من آذاها فقد آذاني»، فهو يضع قانونًا للأمة، ويؤسس ميزانًا تعرف به الموقف الصحيح عند وقوع الفتنة.

فالنبي يعلم بما أطلعه الله عليه من الغيب، ويعرف أن الزهراء عليها السلام ستؤذى بعده، لذلك أراد أن يترك للأجيال علامة واضحة: من آذى فاطمة فقد آذى رسول الله، ومن آذى رسول الله فقد آذى الله.

 

وهذا المعنى يرتبط مباشرة بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.

إذن، أذى الزهراء ليس حادثةً شخصية، بل موقفٌ من رسول الله، ومن الله تعالى، ومن خطّ الوحي.

 

الزهراء مقياسٌ بعد رسول الله

أهمية هذا الحديث تظهر أكثر حين نرى أن الزهراء عليها السلام نفسها احتجّت به. فقد روي أنها قالت لمن آذاها: هل سمعتم أبي يقول: «فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني»؟ فلما أجابوا بالإقرار، قالت: «اللهم اشهد أنهما آذياني».

هذا الاحتجاج يعني أن الزهراء لم تكن تستحضر الحديث بوصفه فضيلةً عامة، بل بوصفه حجةً شرعية وتاريخية على الموقف. هي تُلزم الأمة بما سمعته من رسول الله، وتكشف أن المسألة ليست خلافًا سياسيًا عابرًا، بل اعتداءً على ميزانٍ جعله النبي للأمة.

لذلك لا يصحّ أن تُعامل مظلومية الزهراء عليها السلام بوصفها تفصيلًا يمكن تجاوزه أو تمييعه. نعم، ينبغي أن تُبحث بأسلوبٍ علمي، وبخطابٍ مسؤول، وبعيدًا عن الإساءة والفوضى، لكن لا يصح أن تُدفن الحقيقة بحجة الحساسية أو المجاملة. فإخفاء المظلومية مشاركةٌ في تضييع الحق، كما أن تحويلها إلى مادة للخصومة الفارغة يسيء إلى مقامها.

 

«فاطمة أم أبيها»: قراءة في معنى اللقب

ومن النصوص التي تحمل أبعادًا عميقة لقب الزهراء عليها السلام: «أم أبيها». ظاهر العبارة منقبة عظيمة في حنانها وموقعها من رسول الله صلى الله عليه وآله، لكن باطنها أعمق من ذلك.

إذا كان لقب «أم المؤمنين» قد استُعمل سياسيًا في التاريخ لرفع مقام بعض زوجات النبي في مواجهة أمير المؤمنين عليه السلام، فإن النبي صلى الله عليه وآله قدّم للأمة عنوانًا أعلى: فاطمة أم أبيها.

هذا لا ينفي المقامات الشرعية، لكنه يعيد الترتيب: إذا أردتم أن تعرفوا الميزان الأقرب إلى رسول الله، فانظروا إلى فاطمة. فمحبتها، وموقفها، ورضاها، وغضبها، ليست شؤونًا عائلية، بل علامات في طريق الهدى.

 

مجلس عزاء نبوي على الزهراء

من النصوص المؤثرة ما رواه الشيخ الصدوق في «الأمالي» في حديثٍ طويل، يظهر فيه النبي صلى الله عليه وآله كأنه يقيم مجلس عزاء على أمير المؤمنين والزهراء والحسنين عليهم السلام، فيتحدث عما سيجري عليهم بعده.

وعندما يصل الحديث إلى الزهراء عليها السلام، يذكر النبي مقامها أولًا:

هي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.

وهي بضعة منه، ونور عينه، وثمرة فؤاده.

وهي روحه التي بين جنبيه، والحوراء الإنسية.

ثم يصف عبادتها: إذا قامت في محرابها بين يدي ربها، زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض، ويقول الله لملائكته: انظروا إلى أمتي فاطمة، قائمة بين يدي، ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي.

هذه المقدمة مهمة؛ لأنها تضع المظلومية في سياقها الصحيح. نحن لا نتحدث عن امرأة مظلومة فقط، بل عن سيدة نساء العالمين، عن روح رسول الله، عن أعظم نموذج للعبادة والخشية والطهر بعد أبيها وبعلها.

 

المظلومية كما أخبر بها النبي

بعد بيان مقامها، يذكر النبي صلى الله عليه وآله ما يجري عليها بعده، فيقول بما مضمونه:

كأني بها وقد دخل الذل بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصبت حقها، ومنعت إرثها، وكُسر جنبها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي يا محمداه فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث.

هذه العبارات ليست تفصيلًا هامشيًا في التاريخ؛ إنها شهادة نبوية على ما سيقع. ومن يتأمل فيها يدرك أن مصيبة الزهراء عليها السلام ليست في حادثةٍ واحدة فقط، بل في سلسلة اعتداءات: إذلال، انتهاك حرمة، غصب حق، منع إرث، كسر جنب، إسقاط جنين، وانقطاع سندها الظاهر برحيل أبيها.

ثم يصف النبي حالها بعده: تبقى محزونة، مكروبة، باكية، تتذكر انقطاع الوحي عن بيتها مرة، وتتذكر فراق رسول الله أخرى، وتستوحش إذا جنّ الليل لفقد صوته الذي كانت تسمعه في تهجده بالقرآن.

هنا يظهر صبر الزهراء: ليس صبرًا على ألم جسدي فقط، بل صبرٌ على فراق النبي، وانقطاع الوحي، وغربة الحق، ووحشة الليل، وتحوّل موقعها من العزة الظاهرة في حياة أبيها إلى مظلوميةٍ بعد رحيله.

 

الزهراء والملائكة

في تتمة الحديث، يبيّن النبي صلى الله عليه وآله أن الله يؤنس الزهراء بالملائكة، فتناديها كما نادت الملائكة مريم بنت عمران:

«يا فاطمة، إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين، يا فاطمة اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين».

هذا النص يربط بين مقام الزهراء ومقام الاصطفاء، ويكشف أن الله لا يترك وليته في وحدتها؛ فإذا حاصرها البشر بالخذلان، جاءها أنس السماء.

ثم تأتي المرحلة الأخيرة من حياتها: المرض، والوجع، والضيق بالدنيا، حتى تقول: يا رب، إني قد سئمت الحياة، وتبرمت بأهل الدنيا، فألحقني بأبي. فيلحقها الله برسوله، فتكون أول أهل بيته لحوقًا به.

 

«مقتولة»: معنى الشهادة في مصاب الزهراء

في النص النبوي يصف رسول الله صلى الله عليه وآله قدوم الزهراء عليه بأنها تأتيه محزونة، مكروبة، مغمومة، مغصوبة، مقتولة.

وهذا ينسجم مع الرواية الصحيحة عن الإمام الكاظم عليه السلام: «إن فاطمة صديقة شهيدة».

إذن الحديث عن شهادتها ليس أمرًا طارئًا ولا مبالغةً عاطفية، بل هو من صميم الرواية المأثورة عن أهل البيت. ومن هنا تأتي خطورة التهاون في هذه القضية، أو تحويلها إلى موضوعٍ يتهرب منه الإنسان لأنه يخشى النقاش أو لا يريد تحمل تبعات الحق.

لكن في الوقت نفسه، الدفاع عن مظلومية الزهراء لا يكون بالانفعال الفارغ ولا بالإساءة ولا بمخالفة أحكام الله. من يريد أن يكون في خط الزهراء عليه السلام فليحافظ على صلاته، وليتعلم أحكام دينه، وليترك الغيبة والظلم، وليحمل مصابها بتفجعٍ صادقٍ يقرّبه من الله، لا بخصومةٍ تزيده بعدًا عن أخلاق أهل البيت.

 

من بيت الزهراء إلى كربلاء

يشير النص في ختامه إلى أبيات للشيخ صالح الكواز تربط بين مصيبة الزهراء ومصيبة كربلاء. فزجر الزهراء بسياط قنفذ يمهّد لفهم زجر بنات الرسالة في كربلاء، وكسر حرمة البيت يفتح طريق انتهاك حرمة الخيام، وقطع الأراكة دون الزهراء يستدعي قطع يد العباس عليه السلام في كربلاء.

المعنى أن كربلاء لم تكن حادثة منفصلة عمّا جرى بعد رسول الله. هناك خطٌّ واحد يبدأ من الاعتداء على الزهراء، ويتدرج حتى يصل إلى رفع رأس الحسين على الرمح. لذلك قال الشاعر في معنى عميق: في صفين رُفع القرآن الصامت على الرماح، وفي كربلاء رُفع القرآن الناطق، أي رأس الحسين عليه السلام.

فإذا أردنا أن نفهم كربلاء كاملة، فلا بد أن نفهم الزهراء. وإذا أردنا أن نفهم صبر الحسين، فلا بد أن نفهم صبر أمه. وإذا أردنا أن نعرف جذور المظلومية، فلا بد أن نعود إلى بيت فاطمة.

 

خاتمة: كيف نقرأ مصاب الزهراء؟

قراءة مصاب الزهراء عليها السلام تحتاج إلى ثلاثة أمور:

أولًا، العقيدة: أن نعرف أن مقامها معيارٌ جعله النبي للأمة، وأن أذاها أذى لرسول الله، وأذى رسول الله أذى لله تعالى.

ثانيًا، التفجع الصادق: أن نذكر مصابها لا بوصفه مادة خلافية، بل بوصفه جرحًا في قلب رسول الله، وجزءًا من تاريخ مظلومية أهل البيت.

ثالثًا، الاقتداء: أن يتحول البكاء عليها إلى صلاةٍ أحسن، ولسانٍ أطهر، وقلبٍ ألين، وثباتٍ أكبر على الحق.

فالزهراء لا تريد أتباعًا يرفعون صوتهم باسمها ثم يخالفون نهجها؛ بل تريد شيعةً يعرفون حقها، ويغضبون لمظلوميتها، ويعيشون عبوديتها، ويقتدون بصبرها.

 

مواضيع مشابهة

أعلام التقى – 119 – مقام السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام

مصحف فاطمة (سلام الله عليها)