قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: خير البرية
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

على أعتاب السيدة المعصومة ع – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

تحتل السيدة فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام موقعًا خاصًا في وجدان المؤمنين، لا لأنها ابنة إمامٍ فحسب، بل لأن النصوص الواردة عن أهل البيت عليهم السلام تكشف عن مقامٍ روحيّ ورساليّ استثنائي. فهي بابٌ من أبواب الرحمة، ومزارها في قم ليس محطة عبادة شخصية فقط، بل مركزٌ من مراكز إشعاع خط أهل البيت في العالم.

وقد رُوي عن جماعة من أهل الري أنهم دخلوا على الإمام الصادق عليه السلام وقالوا: نحن من أهل الري. فقال لهم: «مرحبًا بإخواننا من أهل قم». كرروا أنهم من أهل الري، فكرر الإمام جوابه، ثم قال:

«إن لله حرمًا وهو مكة، وإن لرسول الله حرمًا وهو المدينة، وإن لأمير المؤمنين حرمًا وهو الكوفة، وإن لنا حرمًا وهو بلدة قم، وستدفن فيها امرأة من أولادي تسمى فاطمة، فمن زارها وجبت له الجنة».

المثير أن الإمام الصادق عليه السلام قال ذلك قبل أن يولد الإمام الكاظم عليه السلام، أي قبل أن تولد السيدة المعصومة نفسها. فهذا ليس توصيفًا بعد الحدث، بل إخبارٌ بموقعٍ إلهيّ مرسوم لهذه السيدة ولقم من خلالها.

 

قم: حرم أهل البيت والكوفة الصغيرة

في رواية أخرى، يقول الإمام الصادق عليه السلام:

«ألا إن لله حرمًا وهو مكة، ألا إن لرسول الله حرمًا وهو المدينة، ألا إن لأمير المؤمنين حرمًا وهو الكوفة، ألا إن حرمي وحرم ولدي بعدي قم، ألا إن قم الكوفة الصغيرة، ألا إن للجنة ثمانية أبواب، ثلاثة منها إلى قم».

هذه الرواية تجعل قم أكثر من مدينةٍ جغرافية؛ إنها حرمٌ لأهل البيت، وكوفةٌ صغيرة، وبابٌ واسع من أبواب الهداية. وإذا كانت الجنة لها ثمانية أبواب، فإن ثلاثة منها إلى قم؛ أي أن لقم دورًا كبيرًا في فتح الطريق إلى الجنة لمن اهتدى ببركاتها، وبما خرج منها من علمٍ وولايةٍ وجهاد.

ثم تضيف الرواية أن امرأة من ولد الإمام الصادق، اسمها فاطمة بنت موسى، تُقبض في قم، وتدخل بشفاعتها شيعتهم الجنة بأجمعهم.

هذا المقام لا يُفهم بمجرد القرابة النسبية. فللإمام الكاظم عليه السلام بناتٌ كثيرات، ولم يرد في واحدةٍ منهن مثل هذا النص. إذًا نحن أمام مقامٍ خاص، ودورٍ خاص، وسرٍّ مرتبط بمستقبل قم وخط أهل البيت.

 

أبواب الجنة وأبواب جهنم داخل الإنسان

ينقل المتن إشارةً عن صدر المتألهين في تفسير رمزي لطيف: أن الحواس الخمس، ومعها قوة الوهم وقوة الخيال، يمكن أن تكون أبوابًا لجهنم إذا لم يحكمها العقل؛ فإذا حكمها العقل انضافت إليها البصيرة، وصارت أبوابًا للجنة.

هذا المعنى مهم جدًا. فالجنة والنار لا تبدآن فقط بعد الموت؛ بل تبدأ ملامحهما في طريقة إدارة الإنسان لحواسه وميوله وخياله:

إذا رأى بعينه ما حرّم الله، جعل العين بابًا إلى النار، وإذا سمع ما يفسد قلبه، جعل السمع بابًا إلى النار، وإذا ترك الوهم والخيال يركضان خلف الشهوات والانتقام والحسد، صنع داخله جحيمًا قبل الآخرة.

أما إذا صار العقل – بمعناه الديني، لا مجرد الدهاء – حاكمًا على الحواس، تحولت هذه الطاقات إلى أبوابٍ للجنة.

والعقل في منطق أهل البيت ليس القدرة على المكر ولا حسن التدبير الدنيوي، بل كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «العقل ما عُبد به الرحمن واكتُسب به الجنان».

بهذا المعنى نفهم أن من بركات قم والمعصومة أن تكون مركزًا لتربية العقل الإيماني، لا الذكاء المنفصل عن الله.

 

عبادة الهوى وخطر التدين الشكلي

من أكبر المخاطر التي يركّز عليها المتن أن يعيش الإنسان تدينًا شكليًا، بينما يتحرك في حياته على أساس الهوى والرغبة والمال والمزاج. قد يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، ويصلي، ويظهر بمظهر المتدين، لكنه عمليًا يجعل إلهه هواه.

عبادة الهوى لا تعني أن يقول الإنسان بلسانه: أنا أعبد هواي. بل تعني أن يكون القرار العملي مبنيًا على ما يشتهي، لا على ما يحب الله:

إن أعجبته الصلاة صلّى، وإن غلبه مزاجه أخّرها، إن وافق الحكم الشرعي رغبته عمل به، وإلا بحث عن مخرج، إن احتاج إلى الله دعا، ثم إذا لم تُقض حاجته غضب وكأن الله موظفٌ عند رغباته.

هذا اللون من التدين هو أخطر ما يواجه النفس؛ لأنه يلبس عبادة الهوى لباس الدين. ولذلك لا بد من إعادة بناء المفهوم: نريد أن تكون إرادتنا تابعة لإرادة الله، لا أن نطلب من الله أن يوافق أهواءنا.

 

قم والمعصومة: محورٌ في نشر الإسلام الأصيل

من يقرأ الروايات عن قم، ثم ينظر إلى تاريخها، يجد أن المدينة صارت محورًا لحفظ الحديث والفقه والعلم. فحول حرم السيدة المعصومة نشأت مقابر العلماء والمحدثين، ومن أبرزها «مقبرة شيخان»، وفي المنطقة الممتدة حول الحرم دُفن عدد كبير من المحدثين الذين نقلوا للأجيال حديث المعصومين وتفسير القرآن وغير ذلك.

وهذا يفسّر جانبًا من معنى أن ثلاثة أبواب من أبواب الجنة إلى قم؛ فالمسألة ليست جغرافيا، بل علمٌ وولايةٌ وهدايةٌ تشع من هذا المحور.

وقد ورد عن الإمام الرضا عليه السلام في شأن السيدة المعصومة: «من زار المعصومة بقم كمن زارني»، وفي رواية أخرى: «من زارها عارفًا بحقها فله الجنة». كما قال الإمام الجواد عليه السلام: «من زار قبر عمتي بقم فله الجنة».

هذه النصوص تجعل زيارتها جزءًا من الاتصال بخط الإمامة، وبالإمام الرضا عليه السلام خاصة؛ فهي أخته من أمه وأبيه، وتربت في ظلّه بعد استشهاد الإمام الكاظم عليه السلام، وكان هو إمام زمانها ومعلّمها.

 

سفرها إلى قم: قدرٌ لا حادثة عابرة

تاريخيًا، كانت السيدة المعصومة في المدينة، ثم خرجت قاصدة خراسان حيث كان أخوها الإمام الرضا عليه السلام. لكنها لم تصل إليه، بل وصلت إلى منطقة ساوة، وهي مدينة عُرفت آنذاك بوجود نَفَسٍ ناصبي، بخلاف آوة التي عُرفت بولائها لأهل البيت.

وقعت أحداث مؤلمة في الطريق، وقُتل بعض إخوتها أو أقاربها الذين كانوا معها، ثم سألت عن قم، وكانت تبعد عشرة فراسخ، فطلبت أن يؤتى بها إليها. استقبلها أهل قم، وبقيت فيها سبعة عشر يومًا، ثم استشهدت. وما يزال محرابها الذي كانت تصلي فيه موجودًا في قم.

عندما نتأمل هذه التفاصيل، يصعب أن ننظر إلى وصولها إلى قم كصدفة. لماذا سافرت هي دون كثير من إخوتها وأخواتها؟ ولماذا لم تصل إلى خراسان؟ ولماذا سألت عن قم بالذات؟ يبدو أن المشيئة الإلهية أرادت أن يُغرس هذا الفرع المحمدي في قم، لتتبارك به، وينطلق منها أثرٌ كبير في حفظ خط أهل البيت.

 

العظمة في التقوى لا في العمر

عبارة «عارفًا بحقها» تفرض علينا أن نسأل: ما سرّ العظمة في السيدة المعصومة؟

ليست العظمة في طول العمر؛ فقد كانت في عمرٍ قريب من أواخر العشرينات. وليست في المناصب الظاهرية. وليست في الشهرة الدنيوية. العظمة الحقيقية هي في التقوى، وفي العبادة، وفي طاعة الله، وفي ترك ردات الفعل المبنية على الهوى والغضب والمال والعادة.

فكل إنسان يتعرض للأذى: زوج يؤذي زوجته، زوجة تؤذي زوجها، أخ يؤذي أخاه، جار يؤذي جاره. هنا يظهر الميزان: هل تكون ردة الفعل على أساس الرغبة والانتقام، أم على أساس ما يريده الله؟

الموحد الحقيقي يقول: بحول الله وقوته أقوم وأقعد. فإذا أمرني الله بالصبر، فهو يعطيني القدرة على الصبر. وإذا وفقت للصبر، فليس ذلك بشطارتي، بل منه عز وجل.

هذا هو الباب العملي لمعرفة مقام السيدة المعصومة: أن لا تبقى زيارتها طلبًا للحاجات فقط، بل أن تتحول إلى تربية على التقوى والصبر والعقل والولاية.

 

يا فاطمة اشفعي لنا

حين نقول في زيارتها: «يا فاطمة اشفعي لي في الجنة، فإن لك عند الله شأنًا من الشأن»، فنحن لا نخاطب شخصيةً بعيدة عن مسارنا، بل بابًا من أبواب رحمة الله.

والشفاعة لا تعني تجاوز التوحيد، بل هي من مظاهر رحمة الله. فأهل البيت هم مظاهر رحمته، ومن أبوابهم هذه السيدة الجليلة التي جعل الله لها شأنًا خاصًا في قم، وفي قلوب زائريها، وفي مستقبل التشيع والإسلام الأصيل.

 

خاتمة: زيارة المعصومة ومعرفة الحق

زيارة السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام ليست مجرد وقوف عند ضريحٍ مبارك، بل دخولٌ إلى مدرسة:

مدرسة قم، حرم أهل البيت، مدرسة العقل الذي يُعبد به الرحمن، مدرسة مقاومة الهوى الذي يتخفّى بلباس الدين، مدرسة التقوى التي تجعل الإنسان عظيمًا ولو كان صغير السن، خفيّ الذكر، بعيدًا عن ضجيج الدنيا.

فلنزُرها – حضورًا أو عن بُعد – ونحن نطلب منها الشفاعة في الجنة، لكننا في الوقت نفسه نطلب من الله أن يعرّفنا حقها، وأن يجعلنا من الذين يسيطر عقلهم الإيماني على حواسهم، لا من الذين تتقاذفهم الأهواء.

 

مواضيع مشابهة

خير البرية – 2 – السيدة فاطمة المعصومة

مزايا السيدة فاطمة المعصومة (ع)