قناة المعارف الفضائية | سراج العلم والفضيلة
فهرس: آداب الصلاة
آخر برامج من: الشيخ حسين الكوراني (ره)
آخر برامج في قناة المعارف الفضائية

الغني الشره الفقير – الشيخ حسين الكوراني رحمه الله

في سياق الحديث عن الغنى والفقر الحقيقيين، تأتي هذه القاعدة الحاسمة: الغني الشَّرِه فقير. فقد يملك الإنسان الكثير من المال، لكن قلبه لا يشبع، وعينه لا ترتوي، وحرصه لا يقف عند حد. هذا هو الفقر الأخطر: أن يكون الخارج ممتلئًا، والداخل خاليًا.

والشَّرَه هو غلبة الحرص والطمع؛ أن يكون الإنسان مصداقًا لقلبٍ يقول كلما امتلأ: هل من مزيد؟ فإذا صار المال لا يمنحه طمأنينة، بل يزيده قلقًا وجشعًا، فهو فقير وإن حسبه الناس من الأغنياء.

هذه الفكرة مهمة خصوصًا لمن يربط الخشوع والراحة النفسية بالوضع المادي. فكم من فقيرٍ يحبط لأنه لا يملك، وكم من غنيٍّ يتوهم أنه بلغ الأمان لأنه يملك، مع أن الميزان الحقيقي ليس في حجم المال، بل في موقع القلب من المال.

 

متى يكون الغنى ممدوحًا؟

ليس الدين ضد الغنى من حيث هو غنى. فالمال قد يكون نعمةً عظيمة إذا بقي في يد الإنسان ولم يدخل قلبه. الشهيد الثاني يضع قاعدة دقيقة: من كانت الدنيا معه وهو ليس معها، يصرفها حيث أمر الله، ويستعين بها على الطاعة، ويتزود منها للآخرة، فهذا لا بأس عليه. أما من كان مع الدنيا، أسيرًا لها، يدور قلبه معها حيث دارت، فهذا هو موضع الخطر.

بهذا نفهم معنى الروايات التي تمدح الغنى، مثل قول النبي صلى الله عليه وآله: «نِعم العون على تقوى الله الغنى»، وقول الإمام الصادق عليه السلام: «نِعم عون الدنيا على الآخرة».

فالمال الممدوح هو الذي يكون:

وسيلةً للطاعة لا سببًا للغفلة، بابًا للصدقة لا أداةً للبخل، سببًا لصلة الرحم لا للتكبر، طريقًا إلى الآخرة لا قيدًا يشد الإنسان إلى الأرض.

أما المال الذي يجعل صاحبه متعاليًا، بخيلًا، غافلًا، أو متهاونًا بحقوق الله والناس، فهو ليس غنىً محمودًا، بل امتحانٌ قد يتحول إلى عقوبة.

 

المال بين الشكر والغرور

يحذر الشهيد الثاني من أن مقام الغنى الممدوح نفسه قد يكون محلّ تلبيس إبليس. فقد يجمع الإنسان المال، ويظن أنه ما دام يتصدق أحيانًا أو يؤدي شيئًا يسيرًا من الحقوق فهو بخير، بينما قلبه في الحقيقة متعلق بالدنيا، ويبحث عن أقل ما يدفعه في سبيل الله، ويستثقل كل نفقةٍ واجبة أو مستحبة.

لذلك، من استغنى ثم استيقظ، فعليه أن يبقى في حالة امتحانٍ دائم لقلبه:

هل أؤدي حق هذا المال؟

هل أفرح بزيادة الرصيد أكثر من فرحي بزيادة العمل الصالح؟

هل أنفق بسهولة على نفسي، وأتردد عندما يكون الإنفاق لله؟

هل أُتبع صدقتي بالمنّ أو الأذى؟

فالمال لا ينجو صاحبه منه إلا بالشكر وأداء الحق. وفي الحديث أن المخرج من فتنة المال هو «شكر النعمة وأداء حقه».

 

الأغنياء الذين يضاعف لهم الأجر

في القرآن الكريم نجد ميزانًا دقيقًا:

﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾.

ليست الأموال بذاتها سبب قرب، لكن المؤمن إذا ملك المال، ثم عمل به صالحًا، صار له أجر مضاعف. ولذلك لما ذُكر بعض أغنياء الشيعة عند الإمام الباقر عليه السلام بما يشبه الذم، لم يوافق على ذمّهم لمجرد أنهم أغنياء، بل قال إن المؤمن إذا كان غنيًا، رحيمًا، وصولًا، له معروف إلى أصحابه، أعطاه الله أجر ما ينفقه في البر مرتين.

وكذلك ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أن الغني إذا كان وصولًا لرحمه، بارًّا بإخوانه، أضعف الله له الأجر ضعفين.

إذن ليس المطلوب أن يهرب الإنسان من المال، بل أن يحوّله إلى جسرٍ نحو الله: يصل به رحمًا، يسد به حاجة، يعالج به مريضًا، يكسو به عاريًا، ويقوّي به مشروعًا صالحًا.

 

الغنى المذموم: حين تضيق السماء بالمال

في مقابل ذلك، ترد روايات شديدة في ذم الغنى غير المنضبط. من ذلك ما روي عن عيسى عليه السلام: «إن أكناف السماء لخالية من الأغنياء»، وأن دخول الغني الجشع إلى الجنة أشد من دخول الجمل في سمّ الخياط.

لا تعارض بين هذا وبين مدح الغنى في روايات أخرى؛ لأن المقصود هنا هو الغنى المنفصل عن غنى النفس والعقل. فإذا اجتمع المال مع التقوى، كان عونًا؛ وإذا انفصل عن التقوى، صار حجابًا.

وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «الغنى بالله أعظم الغنى»، و«الغنى بغير الله أعظم الفقر والشقاء».

المعيار إذًا: هل أغناك المال بالله أم أفقر قلبك عنه؟

 

الأكثرون أموالًا… الأخسرون إلا من أنفق

يروي أبو ذر أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله جالسًا في ظل الكعبة، فلما رآه قال: «هم الأخسرون ورب الكعبة». فسأله أبو ذر: من هم؟ قال: «الأكثرون أموالًا»، ثم استثنى من أنفق من ماله يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا في وجوه الخير، وقال: «وقليل ما هم».

هذا الحديث لا يريد أن يذم كل مالكٍ للمال، بل يريد أن يقول: خطر المال كبير، والناجون منه قليل. ولذلك جاءت تتمة الحديث فيمن يملك الإبل أو البقر أو الغنم ثم لا يؤدي زكاتها، فتأتي يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه وتطؤه حتى يُقضى بين الناس.

المال الذي لا يؤدي صاحبه حقه لا يبقى في الدنيا فقط؛ بل يلحقه في الآخرة بصورة عذابٍ ومسؤولية.

 

لا تجعل الأغنياء معيار النعمة

من وصايا النبي صلى الله عليه وآله أن يُقلّ الإنسان من الدخول على الأغنياء؛ لأن كثرة النظر إلى مظاهر النعمة عندهم قد تجعله يزدري نعمة الله عليه.

قد يكون عنده بيتٌ يكفيه، وطعامٌ يشبعه، وسترٌ يحفظه، وصحةٌ تحمل جسده، فيشكر الله. ثم يدخل بيوت المترفين، فيرى ما عندهم، فيستصغر ما أعطاه الله، فيخسر الشكر ويكسب الحسرة.

ومن هنا نفهم كلمة أمير المؤمنين عليه السلام: «من أعظمك لإكثارك استقلّك عند إقلالك».

من احترمك لأجل مالك، سيترك احترامك إذا ذهب المال. فلا تبنِ كرامتك على عينٍ تنظر إلى الرصيد، بل على عين الله التي تنظر إلى التقوى والعمل.

 

الغنى والفقر في نظر المجتمع

بعض الروايات تصف واقع الناس لا حكم الله: «من استغنى كرم على أهله، ومن افتقر هان عليهم»، و«الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة».

هذه ليست دعوة إلى تقديس المال، بل كشفٌ لطريقة المجتمع في التقييم.

الناس كثيرًا ما تعطي الغني مقامًا ليس لأنه أتقى، بل لأنه أغنى، وتُسقط الفقير لا لأنه أقل إيمانًا، بل لأنه لا يملك ما يفرض به حضوره.

أما المؤمن فينبغي أن يكسر هذا الميزان؛ فيرى الغني من جهة تقواه لا من جهة رصيده، ويرى الفقير من جهة كرامته لا من جهة حاجته.

 

حين يكون لهو الأغنياء أحب من ذكر الفقراء

يحذر أمير المؤمنين عليه السلام من إنسان يرجو الآخرة بغير عمل، ثم تكون مجالسة الأغنياء ولهوهم أحب إليه من الذكر مع الفقراء.

هذا امتحان دقيق: أين ترتاح النفس؟ مع مجالس الترف والمظاهر، أم مع مجالس الذكر والبساطة؟ هل نبحث عن القرب من الأغنياء لأنهم يفتحون لنا أبواب الدنيا، أم نقترب من المؤمنين الصادقين ولو كانوا فقراء لأنهم يفتحون لنا باب الله؟

 

مسؤولية الأغنياء عن جوع الفقراء

من أشد أبواب هذا البحث حساسيةً: مسؤولية الأغنياء عن الفقراء. فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني، والله تعالى سائلهم عن ذلك».

وفي رواية أخرى: إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا أو جهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله أن يحاسبهم ويعذبهم على ذلك.

هذا الكلام يضع المال في موضعه الحقيقي: ليس ملكيةً مطلقة يفعل بها الإنسان ما يشاء، بل أمانةٌ فيها حق الله وحق الناس. وفي زمنٍ يموت فيه أطفال جوعًا أو مرضًا، لا يستطيع صاحب المال أن يقول: لا علاقة لي. قد لا يكون مسؤولًا عن كل شيء، لكنه مسؤول عن نصيبه من القدرة.

 

خاتمة: الغنى الذي يحرر لا الذي يستعبد

الغني الشره فقير، لأنه كلما ازداد مالًا ازداد جوعًا. والغني العاقل غني، لأنه يجعل المال خادمًا لا سيدًا. والفقير القانع ليس مهانًا عند الله، بل قد يكون أغنى ممن يملك ولا يشبع.

المطلوب أن نغيّر ميزاننا: لا نكره المال، بل نخاف فتنته، لا نمجد الفقر، بل نحفظ كرامة الفقير، لا نمدح الغني لغناه، بل لما يصنع بماله، لا نقيس أنفسنا بما نملك، بل بما نقدّم لله.

فإن صار المال معنا لا نحن معه، كان عونًا على التقوى. وإن صرنا معه، نركض خلفه ونبخل به ونفرح لأجله ونحزن لأجله، أصبح فقرًا جديدًا ولو امتلأت الخزائن.

 

مواضيع مشابهة

خير الزاد – 632 – الغنى الممدوح والمذموم

أحاديث في فضل الفقر والفقراء وحبّهم ومجالستهم