نفحات إيمانية من المدرسة الحسينية – الشيخ حبيب الكاظمي
- ثلاث آيات قرآنية يريد الله أن يُبكينا به: {وما قدروا الله حقّ قدره}: عتابٌ على أننا لم نعرف قيمته، {يا أيها الإنسان ما غرّك بربّك الكريم}: سؤال يهزّ الغرور والغفلة، {ما لكم لا ترجون لله وقاراً}: لماذا لا نُعظّم الله حق تعظيمه؟، من وقف عند هذه الآيات في ختمة رمضان وجرت دمعته على علاقته بربه، فهو على خير عظيم.
- بعض المؤمنين يحمل في داخله بذرة حسينية طاهرة، حتى لو عاش في لندن أو غيرها؛ هذه البذرة تظهر عند نزول “مطر المجالس”، فتتحوّل الصحراء الداخلية إلى روض يتفتح. المجالس ليست للبكاء فقط، بل لتغذية هذه البذور حتى تنمو وتغيّر الذوات جذرياً.
- أصحاب الإمام الحسين عليه السلام أنفسهم تغيّروا في فترة قصيرة: غلام غير بالغ يطلب القتال، وأمٌّ تستقبل رأس ولدها المقطوع قائلة: “ذبحت في سبيل إمامي”. الحسين رقّاهم وشذّبهم ونمّاهم، حتى صاروا خير أصحابٍ لأوفى إمام؛ هذا يعني أن المجلس الحسيني يمكن أن يصنع انقلاباً حقيقياً في شخصية الحاضر.
- من لم يستطع التزاحم عند ضريح الإمام الحسين عليه السلام، فليسلّم على أصحابه واحداً واحداً ويسألهم أن يبلّغوا سلامه؛ مقامهم عظيم، ووساطتهم مقبولة، وقد يعطي الإمام لنظرة صادقة تحت القبة ما لا يعطيه لعشر سنين من قيام الليل بلا حضور.
- أعلى درجات الرقة أن أبكي لا خوفاً من النار ولا طمعاً في الجنة، بل حزناً على أن الخلق لا يوقّرون ربهم؛ كما يقول العارف: “لو أدخلتني النار لأعلمت أهلها أني أحبك”. من يرى التبرّج والمنكر في الجامعات والشوارع، فيبكي لأجل دين الله لا لأجل شهوته، هذا قلبٌ تخطّى مرحلة المجاهدة إلى مرحلة الغيرة الصادقة.
- لا أريد موسماً عاطفياً فقط، ولا موسماً فكرياً جافّاً؛ المطلوب دورة تربوية يجتمع فيها الدمع مع الفهم: “العبرة ثم العِبرة”، حتى تتحوّل المجالس إلى ورشة تغيير حقيقية لا إلى تكرار سنوي للعادات.
- اللطم، والمشي، والبكاء، هي طواف وسعي حول كعبة الإمام الحسين عليه السلام؛ لكنها لا تكفي ما لم تتحوّل إلى وقود للقلب. كما أن الطواف الآلي حول الكعبة بلا حضور قلب قد يفوّت على الإنسان “ركعتين العمر” خلف المقام، كذلك الشعائر الجسدية إن لم تُصفَّ في “مصفاة القلب” تبقى نفطاً خاماً لم يُحوَّل إلى نور.
- من يجلس مع الذاكرين والبكّائين يُكتب معهم، حتى لو غلبه النوم؛ “القوم لا يشقى بهم جليسهم”. كما خُلّد كلب أهل الكهف مع أصحاب الكهف، فبقي اسمه في القرآن وبدنه محفوظاً عقوداً، كذلك من لازم أهل المجالس بإخلاص، يناله من بركتهم ولو كان ضعيفاً في نفسه.
- هذه المرحلة مهدويّة بامتياز؛ إمام زماني حيّ، حاضر، يرى المواكب، يمشي مع الزوار، لا يطير فوق رؤوسهم، وعينه على “المشتل” يختار الفسائل الطيبة ليغرسها في مواقع الخدمة. في زمان كثُر فيه المدّعون وأرباب الأذكار العجيبة، يكفيني أن أجعل إمامي قائدي ومربّيّ، وأطلب منه أن يربّيني هو، لا أي شيخ مجهول.
- قلوب العباد، حتى قلوب الطغاة، بيد الإمام بإذن الله؛ التاريخ يظهر أن كثيراً من القرارات المصيرية للطغاة كانت حماقات قادت إلى نهايتهم. من هنا لا أستبعد أن يكون الإمام هو من يسلب بعض العقول لتأخذ قرارات تفتح أبواب الظهور وتُنهي حقب الظلم، بينما يتولى هو برعايته القلوب المؤمنة المحبة.
- من أراد أن يعرف موقعه عند الله ورسوله والإمام، فلينظر إلى قلبه: إذا ذكر فاطمة فاضت دموعه بلا تكلّف، وإذا سمع باسم الإمام الحسين اهتزّ قلبه وجرت عبرته، فهو على خير؛ لأنه يتشبّه بإمامه في هذا الجانب، ولو لم يقدر أن يتشبّه به في كل الجوانب.

