بركات الزحف نحو كربلاء – الشيخ حبيب الكاظمي
- الزحف إلى الحسين ليس مجرد ظاهرة شعبية؛ هو تعزية لصاحب العصر والزمان وتخفيف عن قلبه في مصاب جدّه. إذا كان صاحب المصيبة يرتاح بكثرة المعزّين، فأيّ عزاء أعظم من هذه الملايين الذاهبة إلى الحسين؟
- غير الموالين قد يقفون مذهولين أمام هذه الحشود والخدمة والبكاء ولا يجدون تفسيراً مادياً واضحاً؛ أما سرّها الحقيقي فهو الحب والولاية والعناية الإلهية، وإن لم يعترف الإعلام العالمي بما تستحقه هذه الظاهرة.
- هذا الغبار المتناثر من أقدام الزائرين ليس غباراً عادياً؛ هو غبار طريق الحسين، وقد ورد أن النار لا تمس جسماً عليه غبار زوار الحسين. من يتشرف بهذا الطريق يحمل معه علامة خدمة وولاء وبركة.
- من يزحف اليوم إلى قبر الحسين شوقاً، فكيف سيكون حاله إذا ظهر المنتقم الأعظم وأسند ظهره إلى الكعبة؟ هذه المسيرة تمرين على التجمع والطاعة والحركة الجماعية لنصرة إمام الزمان، واستعداد نفسي وعملي ليوم الظهور.
- هذه الملايين المنظمة المحبة للحسين ليست مجرد عبادة فردية؛ هي قوة معنوية تُشعر الأعداء باليأس، لأنها تكشف أن هؤلاء لو اجتمعوا على الجهاد أو نصرة الحق فلن تقف أمامهم قوة بسهولة.
- بعض أصحاب المواكب ليسوا أثرياء؛ قد يجمع أحدهم قوت سنته، أو يبيع أثاث بيته ليطعم زائر الحسين. هذا العطاء يقتل البخل، ويكسر حب المال، ومن انتصر على شحّ المال سهل عليه الانتصار على شهوات أخرى.
- من يعزم على المشي إلى كربلاء تتحفز قواه الجسدية والنفسية، حتى لو كان يشكو من ركبه وظهره في الأيام العادية. عندما تكبر النفس ويعظم الهدف، يتبعها الجسد؛ «ما ضعف بدن عما قويت عليه النية».
- كما يسهر الإنسان ليلة القدر لأنه قرر أن يسهر، يستطيع أن يثبت على صلاة الفجر والنافلة إذا رفع هدفه. مشكلة التقاعس ليست دائماً ضعف الجسد، بل صِغر الطموح؛ من وضع لنفسه هدفاً عالياً أعانه بدنه وقلبه عليه.
- المحبة شعور في القلب، أما المودة فهي حبّ ظهر في العمل: مشي، خدمة، دمعة، طعام، مواساة. لذلك طلب القرآن “المودة في القربى” لا مجرد المحبة؛ وزيارة الأربعين من أوضح مظاهر تحويل حب الحسين إلى فعلٍ جسدي وروحي.
- من يجرّب زيارة الأربعين يعود وقلبه لا يطاوعه على تركها في العام القادم؛ الحب الذي حرّكه أول مرة يتعمّق بالمشي، ثم يصير المشي نفسه مولداً لحب أعمق، حتى يشعر الزائر أن غيابه عن الطريق غربة.
- كما جعل الله الحج للتعارف، صارت الأربعين ملتقىً عالمياً للموالين: من أفريقيا، وأوروبا، وأمريكا، وأستراليا، يجتمعون تحت شعار واحد: حب الحسين يجمعنا. إنها موعد المحبين والمنتظرين، لا مجرد طريق إلى ضريح.

